الشــــاعـــر د. صالح الشادي
كم من التهاني والتبريكات ، وأرتال من الورود ، والعشرات من الوجوه الباشة هنا وهناك ، واحتفال بمقدم الغيث .
هكذا يبدو المشهد العام حين يتولى حقيبة الوزارة أحدهم ، خاصة إذا كان ذلك الوزير من الأعلام في مجاله أو في حضوره ومقدريته . والأمر يبقى ظاهريا وصوريا ، حتى يتأكد.. أو أن يظهر العكس ! .
الإشكالية التي سيواجهها معاليه بعد أول مصافحة له عادة، هي التعامل مع ( الأضراس ) الخلفية ، وليس مع ( الثنايا الأمامية) في محيط إدارته ، إذ أن المهمة تستدعي منه أن يوغل قليلا إلى العمق ، إلى ماكينة العمل الوزاري – إن صح التعبير – للتحقق من كفاءة الأجهزة الداخلية التى قد لا ترى عيانا ، والتي تمثل بمجملها العامود الفقري الذي يحمل ثقل الإنجاز، ويظهر بالتالي مدى كفاءة تلك الأجهزة من عدمه .
الإصلاح عن طريق استصدار البيانات والتعليمات التي تشكل ملامح السياسة العامة في
البداية أمر جميل ، ومؤشر مطمئن غالبا .. ولكن الإكتفاء بتشكيل صورة (السطح ) من جديد لا يعني شيئا ، مالم يتحقق التغيير والتعديل الحقيقي والذي يتمثل في عملية تنظيف وتطهير العمق من الكوادر (المتكلسة ) أو الراكدة ، تلك الكوادر التي تمثل جذور العمل الإبداعي والمهني الذي تظهر أزاهيره إلى العامة والخاصة ، وذلك وفق فهمها واستيعابها لماهية القانون، وطبيعة القرار !
إن (التسوس ) الداخلي يامعالي الوزير ، أمر خطر ومزعج ومقيت ، وتركه على حاله دون تدخل حاسم وحازم ، من شأنه أن يزيد الطين بلة ،وأن يخل بالأمن الفكري ، وأن يبطيء من دوران عجلة التقدم والتنمية التي يسعى إليها الجميع . نعم نحن نعلم بأنك على أعتاب مرحلة حساسة من تاريخ البناء ، ونعي جسامة المواضيع التي ألقيت على عاتقك .. ولكننا لا نعفيك من مسألة التغاضي عن معالجة بعض إشكاليات (اللب) التي قد تكون .. ولا من قضية الترميم والإصلاح المفترضة ، لأنها الأصل في تماسك أركان كل وزارة واستمرارية عطاءها، والأساس في بلورة مهامها الخدمية التي تمس الصالح العام .
كمواطنين ، وكأصحاب قلم ، علينا أن نسهم في الإرتقاء بدرجات الوعي الشمولي – حسب الاستطاعة – وذلك من منطلقات عدة ، أهمها الإيمان بدور الجميع في خدمة الفرد ، ودور الفرد في خدمة الجميع ، كي نقترب ولو يسيرا من الصورة المثلى لمفاهيم العدالة والرقي والتمدن االحقيقي .. ومسألة ابداء الرأي أظن أنها قد أضحت واجبا وطنيا يتحمله الجميع ، مالم يمس ذلك الرأي ذاتا عينية ، أو كرامة شخصية .
المهمة وإن بدت سهلة ، إلا أنها بالغة التعقيد في مضمونها ، إذ يستلزم إنجازها المزيد من الصبر والتبصر ، ومن أهل المشورة المستنير ، ومن العمل الكثيروالكثير ، وألف مبروك يامعالي الوزير . وقد يكون للحديث بقية .